فوزي آل سيف

86

عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

5/ فيما يرتبط بتفويت الفرصة عليه للاستفادة من شرعية الإمام وموقعه، فقد كان أصحاب الإمام عليه السلام وبإيعاز منه كانوا يشيعون أمام الناس بعدم قبول الإمام ولاية العهد؛ وإنه كان مكرها عليها، وقد قبلها بشرط أن لا يأمر ولا ينهى ولا يقضي ولا يعزل. ومع أن المأمون كان يسعى جاهدا في ذلك[211]إلا أن الإمام كان أذكى منه وأعرف بخططه، فكلما فتل المأمون حبلا من الحيلة نقضه الإمام بالتدبير الصائب، ويدلّك على ذلك ما صنع عليه السلام عندما أصر المأمون عليه بأن يخرج لصلاة العيد، وبطبيعة الحال سيكون هذا من أوضح أنحاء التأييد للمأمون وعلى مستوى شعبي واسع حيث سيحضر الناس في هذه الصلاة، فبعث إليه الإمام الرضا عليه السلام : قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول هذا الأمر، فبعث إليه المأمون إنما أريد بذلك أن تطمئن قلوب الناس ويعرفوا فضلك، فلم يزل عليه السلام يراده الكلام في ذلك فألح عليه. فقال: يا أمير المؤمنين إن أعفيتني من ذلك فهو أحب إليّ وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام فقال المأمون: اخْرج كيف شئتَ، وأمر المأمون القواد والناس أن يبكروا إلى باب أبي الحسن عليه السلام . فقعد الناس لأبي الحسن عليه السلام في الطرقات والسطوح، الرجال والنساء والصبيان، واجتمع القواد والجند على باب أبي الحسن عليه السلام فلما طلعت الشمس قام عليه السلام فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن، فخرج الإمام من داره حافيًا على هيئة جده رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما نظر القواد والجند لأبي الحسن عليه السلام نزلوا عن دوابهم ورموا بخفافهم. فلما رأى الفضل بن سهل ذلك بعث إلى المأمون: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس والرأي أن تسأله أن يرجع، فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع فدعا أبو الحسن عليه السلام بخفه فلبسه وركب ورجع.[212] فالإمام عليه السلام أدار معركته مع المأمون بأفضل ما يمكن من غير أن يلجأ إلى وسائل غير شرعية، وهذا تنبيه وإرشاد مهم لنا ولمن يتعاطى في الشؤون السياسية ألّا يلجأ إلى الكذب والحيلة، وعلينا أن ننهج سبيل الشرع في معاملاتنا وحتى اختلافاتنا. ولأن الرواية المفصلة التي نقلها الشيخ الصدوق في كل من علل الشرائع وعيون أخبار الرضا عن أبي الصلت الهروي تشير إلى كثير مما سبق ولذلك سننقلها بالكامل مع أن بعضها ربما ذكر في موضع آخر، لكنها لما كانت مفصلة فقد آثرنا نقلها ها هنا: فقد قال: إِنَّ اَلْمَأْمُونَ قَالَ لِلرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عليه السلام يا بن رَسُولِ اَللَّهِ قَدْ عَرَفْتُ فَضْلَكَ وعِلْمَكَ وزُهْدَكَ ووَرَعَكَ وعِبَادَتَكَ وأَرَاكَ أَحَقَّ بِالْخِلاَفَةِ مِنِّي!

--> 211 الصدوق: عيون أخبار الرضا ٢/ ١٧٧.. عن معمر بن خلاد، قال: قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام، قال لي المأمون يوما: يا أبا الحسن انظر بعض من تثق به نوليه هذه البلدان التي قد فسدت علينا! فقلت له: تفي لي وأفي لك فإنّي إنما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر فيه ولا أنهي ولا أعزل ولا أولي ولا أشير حتى يقدمني الله قبلك. فوالله إنّ الخلافة لشيء ما حدثت به نفسي ولقد كنت بالمدينة أتردد في طرقها على دابتي وأن أهلها وغيرهم يسألوني الحوائج فأقضيها لهم، فيصيرون كالأعمام لي وأن كتبي لنافذة في الأمصار وما زدتني من نعمة هي عليّ من ربي فقال له: أفي لك! 212 عطاردي: مسند الإمام الرضا 1/ 64